الشيخ محمد رشيد رضا

324

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ان المراد بالملك هنا الاستقلال الذاتي والتمتع بنحو ما يتمتع به الملوك من الراحة والحرية في التصرف وسياسة البيوت ، وهو مجاز تستعمله العرب إلى اليوم في جميع ما عرفنا من بلادهم . يقولون لمن كان مهنئا في معيشته ، مالكا لمسكنه ، مخدوما مع أهله ، : فلان ملك ، أو ملك زمانه ، أي يعيش عيشه الملوك . وترى مثل هذا الاستعمال المجازي في رؤيا يوحنا قال ( 1 : 6 وجعلنا ملوكا وكهنة ) وذهب بعض المفسرين إلى أن المعنى انه جعلهم ملوكا بالقوة والاستعداد ، بما آتاهم من الحرية والاستقلال ، وشريعة التوراة العادلة التي يرتقون بها في مراقي الاجتماع ، وهو بشارة بأنه سيكون منهم ملوك بالفعل ، لأن ما استعدت له الأمة من ذلك في مجموعها ، لا بد ان يظهر أثره بعد ذلك في بعض افرادها . وهذا المعنى لا يعارض ما قبله ، بل يجامعه ويتفق معه ، فان تلك المعيشة المنزلية الراضية ، هي الأصل في الاستعداد لهذه العيشة الثانية ، - عيشة الملك والسلطة - . فان الشعوب التي يفسد فيها نظام المعيشة المنزلية ، لا تكون أمما عزيزة قوية ، فهي إذا كان لها ملك تضيعه فكيف تكون أهلا لتأسيس ملك جديد ؟ فليعتبر المسلمون بهذا ، ولينظروا أين هم من العيشة الأهلية التي وصفناها ! . ( الأمر الثالث ) إيتاؤهم ما لم يؤت أحد من العالمين ، أي عالمي زمانهم وشعوبه التي كانت مستعبدة للملوك العتاة الطغاة كالقبط والبابليين . روى الفريابي وابنا جرير والمنذر ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في شعب الايمان عن ابن عباس في قوله « إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً » قال : المرأة والخادم « وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ » قال : الذين هم بين ظهرانيهم يومئذ . وروى ابن جرير من طريق مجاهد عنه في الأخير أنه المن والسلوى . وروى هو وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد هذا المعنى مع زيادة الغمام الذي ظلمهم في التيه . وزاد بعضهم الحجر الذي انبجست منه العيون بعدد أسباطهم ، رواه ابن جرير . وقد تقدم تفسير هذه الخصائص في سورة البقرة فيراجع في الجزء الأول من التفسير * * * يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ المقدسة المطهرة من الوثنية لما بعث اللّه فيها من الأنبياء دعاة التوحيد وفسر مجاهد المقدسة بالمباركة .